يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

92

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

بعض الطريق جاءهم الأسد ففزع وقال : أترى ابن أبي كبشة قاتلي وهو بمكة وأنا بالشام ؟ فأدخله أصحابه بينهم وتوسطوا به جميعهم ، فلما كان في بعض الليل أتاهم الأسد فتقراهم رجلا رجلا حتى أتى إليه فشدخه من بينهم . وأما أبوهما أبو لهب وأمهما أم جميل حمالة الحطب فيكفيهما ما أنزل اللّه فيهما من قوله تعالى : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [ المسد : 1 ] ، وزاد اللّه أبا لهب عدوّ اللّه خزيا في الدنيا ظاهرا ، أصابه اللّه بالعدسة فقتلته . ذكر الطبري في تاريخه أن العدسة قرحة كانت العرب تتشاءم بها ويرون أنها تعدي أشد العدوي ، فلما رمي بها أبو لهب تباعد عنه بنوه فبقي ثلاثا لا تقرب جنازته ولا يدفن ، فلما خافوا السبة دفعوه بعود في حفرته ثم قذفوه بالحجارة . وقيل : لم يحفروا له ولكن أسندوه إلى حائط وقذفت عليه الحجارة من خلف الحائط حتى ووري ، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم . وذكر أن عائشة رضي اللّه عنها كانت إذا مرّت بموضعه ذلك غطت وجهها ، نقلت أكثر هذا الكلام من شيخي الفقيه الأستاذ أبي القاسم السهيلي رحمه اللّه في شرح السيرة ، وهو روايتي عنه ، تقدّم ذكر عتيبة وعتبة ، وربما أشكل عليك أيما المسلم منهما واشتبه ، وقد قلت فيهما بيتين كي تعلم من كفر منهما ومن أسلم : كرهت عتيبة إذ أجرما * وأحببت عتبة إذ أسلما كذاك معتب أسلم فاح * ترز أن تسب فتى مسلما ومثل عتبة وعتيبة في الصلاح والفحش عبد اللّه وعبيد اللّه ابنا جحش ، عبد اللّه تبين وتبصر فأسلم ، وعبيد اللّه افتتن وتنصر فأجرم . وسأسوق ذكرهما معا ومن أخبارهما لمعا إن شاء اللّه تعالى واللّه الموفق . جاء في هذا الفصل أمر كأنه لي أصل ، وهو أن الأكبر ممن ذكر هو الأفضل ، وأن الأصغر هو الأرذل ، وأريد أن أسوق في هذا الفصل من عرفت من شخصين أحدهما مكبر والآخر مصغر ، أذكر المكبر بالمدح والمصغر بالقدح ، كما تقدم فيمن كفر ومن أسلم . قالوا في المثل : أسعد أم سعيد ، إذا سئل عن الشيء أهو مما يحب أم يكره ، فإن قيل سعد مكبرا فهو المحمود المضموم ، وإن قيل سعيد مصغرا فهو المنبوذ المذموم ، وأصله فيما ذكر أن سعدا وسعيدا ابني ضبة بن أدد خرجا في حاجة لهما ، فرجع سعد ولم يرجع سعيد بعد ، فضرب بهما المثل فيما نفع وضر وساء وسرّ . وسيأتي حديث سعد وسعيد عند ذكر : الحديث ذو شجون ، وقد ذكر ذلك زياد ، وأشار إلى هذا المعنى خطيب أهل البصرة ، فأغلظ في خطبته وقال : واللّه لآخذن المقبل بالمدبر والمحسن